كان الماء عدوّه. ليس بالمعنى المجازي، بل بالمعنى الحرفي
الكامل. حين يقترب من حوض السباحة، يبدأ قلبه بالتسارع قبل أن
تلمس قدمه الماء. حين تغمره الموجة، يتوقف عقله عن التفكير
المنطقي ويستسلم لصوت واحد فقط: اهرب.
رهاب الماء لم يكن مجرد خوف عابر، كان سجناً غير مرئي يضع
حدوداً لما يستطيع فعله، لما يستطيع أن يكونه. ونوبات الهلع
كانت تأتي دون إنذار. في لحظات عادية، في أماكن آمنة، يجد
نفسه فجأة يتنفّس بصعوبة، يشعر أن الجدران تضيق، وأن جسده
يخونه دون سبب واضح. الطبيب الذي يعرف تشريح الجسم من الداخل،
لم يستطع أن يشرح لنفسه لماذا يحدث هذا، ولا كيف يوقفه.
هذا كان د. مجد الصفدي. قبل كل شيء.
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
لم تكن هناك لحظة درامية واحدة. لم يستيقظ صباحاً ويقرّر أن
يصبح رياضياً. الأمر كان أبسط وأعمق من ذلك.
أدرك أنه يعالج الناس من مخاوفهم بينما هو نفسه يعيش داخل
مخاوفه. أدرك أن كل ما يؤمن به عن قدرة الإنسان على التجاوز
والتحوّل، لم يختبره على نفسه حقاً. كان يملك المعرفة لكنه لم
يملك البرهان الحي.
لن أعالج خوفي بالفهم.
سأعالجه بالميدان.
التدريب الذي لم يكن جسدياً فحسب
حين بدأ التدريب على السباحة، لم يكن التحدي في تقنية السباحة.
كان في إقناع جسده وعقله أن الماء ليس عدواً. كل جلسة تدريب
كانت معركة داخلية قبل أن تكون مجهوداً جسدياً. الصوت الداخلي
الذي يقول «لا تستطيع» كان يعلو في اللحظات الأصعب، وكان عليه
أن يتعلّم لا أن يُسكته، بل أن يستمرّ رغمه.
تعلّم شيئاً لم تعلّمه له أي كتاب طبي:
الانضباط يتفوّق دائماً على الحافز المؤقت.
الحافز يأتي ويذهب، لكن النظام يبقى. العادة اليومية، الخطوة
الصغيرة، الالتزام الذي لا ينتظر أن تشعر بالرغبة — هذا هو ما
بنى رياضياً من رجل كان يخشى الماء.
يوم السباق
سباق Ironman العالمي، واحد من أشد
اختبارات التحمّل البشري على وجه الأرض. سباحة في المياه
المفتوحة، ثم دراجة، ثم ركض دون توقّف، في سباق يمتد حتى ستة
عشر ساعة متواصلة.
حين دخل الماء في سباقه الأول، كان الخوف لا يزال موجوداً. لم
يختفِ تماماً. لكن شيئاً تغيّر: لم يعد الخوف هو من يقرّر. كان
الخوف حاضراً، لكن القرار كان لشخص آخر — نسخة أقوى وُلدت من
شهور من الانضباط والمواجهة.
أكمل السباق.
ليس لأن جسده كان مثالياً، ولا لأن الظروف كانت مواتية. أكمله
لأنه اكتشف حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:
الجسد يطيع العقل، والعقل يطيع القرار.
ما يبقى بعد السباق
د. مجد لا يحكي هذه القصة ليُبهرك. يحكيها لأنه يؤمن أن كل
إنسان يحمل داخله قيوداً لا يراها. قيوداً بَنَتها تجارب
قديمة، أصوات شكّلت صورته عن نفسه، حدود رَسَمها قبل أن
يَختبر حقيقة قدراته.
الخوف من الماء كان درساً عن شيء أكبر بكثير: أن معظم الحدود
التي نعيش داخلها ليست حقيقية. هي أفكار تحوّلت إلى جدران.
وكل جدار يمكن تجاوزه — لا بقفزة واحدة، بل بخطوات صغيرة
يومية ملتزمة. هذا ما بناه، وهذا ما يريد أن يساعدك تبنيه.
حين عبر خط النهاية، لم يبكِ فرحاً بالإنجاز. بكى لأنه أدرك
شيئاً كان يعرفه كطبيب لكنه عاشه للمرة الأولى كإنسان: أن
الحدود التي نراها أمامنا، غالباً ليست في الطريق. هي فينا.
وأن الخطوة الوحيدة التي تفصلنا عن نسخة أقوى من أنفسنا، هي
القرار بأن نبدأ رغم الخوف، لا
بعد زواله.
لأن القدرات التي تظنّها محدودة، هي فقط في انتظار
نظام تدريب واضح وإرادة صلبة.