كل يوم نستيقظ على نفس الروتين. الهاتف أول شيء. الأخبار،
الرسائل، الإشعارات. قبل أن نكون قد أعطينا أنفسنا دقيقة
واحدة، نكون قد أعطينا العالم كل شيء.

نعيش بأسماء وظيفية، بأدوار اجتماعية، بتوقّعات الآخرين.
طبيب، أب، زوج، ناجح، قوي. هذه الأقنعة لا نضعها بوعي، تتراكم
ببطء حتى نظنّ أنها نحن.

لكن ماذا يبقى حين تسقط كل هذه الأقنعة؟
هذا السؤال هو ما دفع د. مجد الصفدي إلى غابات الأمازون.

القرار

لم يكن القرار سهلاً. رجل في منتصف حياته المهنية، زوج وأب،
طبيب بمسؤوليات، يقرّر أن يختفي عشرين يوماً كاملة. لا هاتف،
لا إنترنت، لا تواصل مع أحد. عزلة تامة في قلب غابة لا تعرف
اسمك ولا لقبك ولا ما حقّقته.

كثيرون سألوه: لماذا؟ الإجابة الحقيقية لم تكن واضحة حتى له
في البداية. كان يشعر فقط أن هناك شيئاً في داخله يحتاج إلى
مساحة. مساحة لا يستطيع إيجادها وسط ضجيج الحياة اليومية.

عشرون يوماً بلا أقنعة

حين دخل الغابة، لم يأخذ معه شيئاً من عالمه القديم. لا
كهرباء، لا تواصل اجتماعي، لا مواد اعتاد عليها جسده. حتى
الطعام كان مختلفاً، أنواع محدّدة فقط، بسيطة، كافية، لا
أكثر. الجسد عاد إلى أبسط احتياجاته، بعيداً عن كل ما اعتاد
عليه من رفاهية الحياة الحديثة.

الأيام الأولى كانت الأصعب. العقل الذي اعتاد على الضجيج لا
يعرف كيف يتعامل مع الصمت. كان يبحث عن شيء يشغل نفسه به، عن
مشكلة يحلّها، عن قرار يتّخذه. لكن لم يكن هناك شيء. فقط
الغابة، وصوت الريح، وهو.

الصمت الخارجي
بدأ يكشف الضجيج الداخلي.

حين سقطت الأقنعة

في اليوم الخامس تقريباً، بدأ شيء يتغيّر.

الأفكار التي لم يكن لديه وقت ليسمعها في حياته العادية بدأت
تظهر واحدة تلو الأخرى. مخاوف لم يعترف بها، أسئلة لم يجرؤ
على طرحها، أجزاء من نفسه كان يتجاهلها لأن الانشغال كان أسهل
من المواجهة.

المسمّيات الوظيفية سقطت أولاً. في الغابة لا أحد يعرف أنه
طبيب. لا أحد يتوقّع منه شيئاً. لا دور يجب أن يؤدّيه. ثم
سقطت الأدوار الاجتماعية. الصورة التي يقدّمها للعالم،
القوّة التي يُظهرها، النجاح الذي يُثبته. وبقي هو. فقط هو.
بكل ضعفه وقوّته، بكل تناقضاته، بكل ما كان يخفيه حتى عن
نفسه.

وفي ذلك الصمت العميق، سمع لأول مرة صوتاً كان موجوداً
دائماً لكنه كان مطموراً تحت طبقات من الضجيج.
صوت يعرف من هو حقاً، ويعرف ما يريد حقاً.
صوت القادر.

ما عاد به من الغابة

حين خرج من الأمازون بعد عشرين يوماً، لم يعد نفس الشخص الذي
دخل. لم يعد بإجابات جاهزة لكل سؤال. لم يعد بخطة حياة
مثالية. عاد بشيء أثمن من ذلك بكثير:
وضوح.

وضوح حول ما يهم حقاً وما لا يهم. وضوح حول من هو خارج كل
الأدوار التي يؤدّيها. وضوح حول أن كثيراً ممّا كان يعتقد أنه
يحتاجه، كان في الحقيقة ضجيجاً يملأ به فراغاً داخلياً.

أدرك أن
التطهير يسبق البناء. أن الإنسان لا يستطيع أن
يضيف إلى حياته ما يجعلها أجمل قبل أن يزيل ما يثقلها.

ما بقي بعد الصمت

حين عبر خط العودة، لم يبكِ من الفرح بانتهاء التجربة. بكى
لأنه أدرك كم كان يعيش بعيداً عن نفسه. أن الضوضاء الحقيقية
ليست في العالم من حولنا. هي في داخلنا.

وأن السؤال الذي يخافه كثيرون —
من أنت حقاً حين لا يراك أحد؟ — هو أهم
سؤال يمكن أن يطرحه الإنسان على نفسه.

لأن الإجابة هي
البداية الحقيقية لكل شيء.